أبي منصور الماتريدي

47

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - بالجبر ، وقائل بالحرية التامة ، ووسط هذه المعارك نجد من يحاول جمع الفرق المتنازعة على كلمة سواء ويمكن أن نرد الخلاف حول المسألة إلى أربعة مذاهب : الأول : مذهب المعتزلة : وهو أن العبد فاعل ومحدث لأفعاله الاختيارية ، فأفعال العباد من حركات وسكنات واقعة من جهتهم بإقدار الله لهم على هذه الأحداث ، وعلى ذلك فإن من قال : إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله ، فقد أخطأ ، فقدرة الله لا تتعلق بأفعال العباد من حيث الإيجاد والنفي . استدل المعتزلة من العقل فقالوا أدلتهم : « لو كان الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد لوجب كونهم مضطرين إليها ، وألا يكون بين ما يكتسبه العبد وما يضطر إليه فرق . وفي علمنا بالفرق بينهما دلالة على فساد كل قول يسقط الفرق الذي علمناه » . وكذا قالوا « لو كان الله تعالى هو الخالق لفعل العباد لما استحقوا الذم على القبيح والمدح على الحسن ، وذلك لأن المدح والذم على فعل الغير لا يصح ، ولا فرق بين من اعتقد حسن ذلك وبين من اعتقد ذم الجماد والأعراض ومدحها لما يقع منه تعالى من الأفعال » . واستدلوا من القرآن بقوله تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ . . . [ الملك : 3 ] ووجه استدلالهم من الآية أنها تنفي التفاوت عن خلقه سبحانه ، وهذا من أكبر الأدلة على أنه سبحانه لم يخلق أفعال العباد لما فيها من تفاوت كبير . الثاني : مذهب الجبرية : وهو نفي القدرة والاستطاعة عن الإنسان في سائر أعماله ، وأن الأفعال مخلوقة لله تعالى فينا لا تعلق لنا بها أصلا ، لا اكتسابا ولا إحداثا وإنما نحن كالظرف لها . وكأن مذهب الجبرية يأتي في مقابل مذهب المعتزلة ، فهما على النقيض . الثالث : مذهب الأشاعرة : ويرى الأشاعرة أن أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس للعبد فيها أدنى تأثير ، فهي مخلوقة لله من حيث الإبداع والإحداث وللعبد فيها الكسب . ويفسرون حدوث الأفعال من العبد بأن الله سبحانه وتعالى قد أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا ، فإذا لم يوجد مانع أوجد فعله المقدور مقرونا بهذه القدرة والاختيار وهم هنا يثبتون للعبد في أفعاله الكسب ، ومعناه كما يقول الإمام أبو الحسن الأشعري : « الفعل القائم بمحل قدرة العبد » . فالأشعري يرى أن الإنسان يقدره الله على إحداث الفعل عند مباشرته ، فيقع الفعل عند هذه القدرة لا بها . ومن هنا يرى أنه ليس لهذه القدرة تأثير في إيجاد الفعل . ويختلف بعض الأشاعرة مع الأشعري في مفهوم الكسب ، فذهب الباقلاني إلى أن أفعال العباد من حيث هي أفعال واقعة بقدرة الله ، ومن حيث هي صفات واقعة بقدرة العباد ، فمثلا : الصلاة من حيث هي فعل واقعة بقدرة الله ، ومن حيث تخصيصها واقعة بقدرة العبد . وعلى ذلك فالباقلاني يتفق مع الأشعري في أن الفعل واقع بقدرة الله من حيث هو فعل ويختلف معه في القول بأنه واقع بقدرة العبد من حيث هو صفة . وذهب الجويني : إلى القول بأن لقدرة العبد تأثيرا في وجود المقدور ، لكن ليس باستقلال ، بل إن هذه القدرة تستند إلى سبب ، وهذا السبب يستند إلى سبب ، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب . فهو يختلف عن إمام المذهب ، حيث جعل لقدرة العبد أثرا في إحداث الفعل . وذهب الأسفرائيني : إلى أن فعل العبد واقع بقدرة الله وقدرة العبد معا . ومع هذا الاختلاف بين الأشاعرة فإنه يبقى اتفاقهم على أن الفعل واقع بقدرة الله وللعبد فيه -